RSS

مذكرات معتقل (4) شو جرمك ؟؟ … حرية

كنا نتهيأ لصلاة التروايح عملا ببرنامجنا اليومي في الزنزانة, واذا بنا نسمع صوت المساعد ينادي على أحدنا ليبصم على مذكرة تحويله الى القضاء, بدأت الاحلام والنفوس والمشاعر تغلي!! لقد عادت لكل فرد منا انسانيته المسلوبة, لقد نسي الواحد منا الصابونة والفراش الوثير والماء البارد والطعام اللذيذ, عادت تلك الأفكار الشيطانية عن الحرية والديموقراطية والدولة المدنية والحقوق الاجتماعية الى التأجج في موقد عقولنا, ذلك هو الاعتقال بتهمة الحرية .. تحتجز, تسلب حريتك, تسلب انسانيتك, تنسى الديموقراطية, تنسى الحرية, تنسى تنسى تنسى …. لكن بعد ذلك يطلقون سراحك لتعود لسابق عهدك … يالغبائهم!!!

في الصباح نودي علينا بعد أن قضينا ليلة من العمر بطولها في توديع زملاء السجن وتقبيلهم والدعاء لهم بالخروج وأخذ أرقام هواتف ذويهم لطمئنتهم, وأحلام لقاء الأهل والأحبة, تم تسليمنا حاجياتنا وبدأ كل منا يحاول أن يصلح هيئته على الرغم مما أصابه من القذارة , ثم قيدنا جميعا الى سلسلة طويلة, كنا خمس عشرة واحدا, كنت في آخر السلسلة مما أعطاني الحرية في الحركة أكثر من غيري, صعدنا نتعثر بخطواتنا القصيرة وكل يجرّ الذي خلفه أو يكبح سرعة الذي أمامه, في الطابق الأرضي رأيت حبيبتي الشمس, هامستها قائلا :”لم الحظ جمالك سابقا حبيبتي..”, لم يمنعها حبنا من أن تعكر صفو رؤيتي للعالم الخارجي فقد كان ضؤها أقوى من أن تستحمله عيون اعتادت عتمة الزنزانة, وكأني بالشاعر يقول :

“”””ليس بعد الليل الا ***** فجر مجد يتسامى””””

صعدنا الى الحافلة التي أقلتنا الى قصر اللاعدل, لقد كان المنظر في الحافلة يبعث على الضحك فيد هذا مرت من تحت إبط هذا .. ويد الآخر ملفوفة حول عنق صاحبه, أما السلسلة التي جمعت الجميع فقد كانت مبتهجة بجمعنا مذكرة الجميع أنكم ابناء وطن واحد وأيديكم مشدودة الى بعض.
وصلنا المحكمة قلت للعنصر بعد ان مللت غبائه المستفحل :”مننزل متل ما طلعنا .. الأخير اللي هو أنا بينزل أول واحد وهكذا …”.
نزلنا الى القبو تحت القصر العدلي لنوضع في زنزانة كبيرة ممتلئة بعد أن فكت قيودنا, بدأ كل واحد بالتفكير في مصير جواله بعد أن ترسم له مصيره الخاص وكان الشغلنا الشاغل وأملنا الوحيد أن نحاكم في يومنا ولا نضطر للانتظار الى يوم آخر … انتظرنا حوالي الساعتين عرض علينا فيها أصناف السجائر المحشية (لا تغشم حالك !! بتعرف !) ورأينا ألوان الوشوم على أجسام السجناء, بدأنا نتبادل الأرقام لنتواصل مع بعضنا بعد أن يفرج علينا, نودي على اسمائنا وتمنيت أن تكون آخر مرة اسمع فيها اسمي بهذه اللهفة, لم ادرك مدى حبي لاسمي الا في المعتقل, قيدنا جميعا الى سلسلة واحد مرة أخرى وصعدنا الى بهو القصر العدلي لنجر أمام الناس وصولا الى المحكمة المعنية بمحاكمتنا وفي طريقنا قلت لصديقي :”ارفاع راسك .. أنت متهم بالحرية”.

عند باب المحكمة وجدت أبي منتظرا مع أحد الأقارب, لم أعرف لم انتابني شعور الخجل .. أخفيت قيدي عنه ورائي ملهيا إياه بطريقة التحية المعتادة لدي والتي تشبه التحية العسكرية بالسبابة والوسطى, تلقيت ابتسامته المؤكدة على اطمئنانه الأولي على سلامتي ودخلت الى المحاكمة, صدقا لم أعرف ما الذي دار داخلا فلم يكن يشغل بالي شيء سوا الخروج الى العالم ورؤية بعض الفتيات الجميلات واستنشاق الهواء المنعش لأبدأ حياتي الجديدة بعد ذلك الفاصل الروحي السياسي, فكت قيودنا وأخبرنا أننا أحرار بالذهاب …
ذهبت الى أبي لأعانقه, لم يسمح لي بتقبيل يده, ومشينا الى خارج القصر العدلي وجعبتي من هذه التجربة ممتلئة بما خطه قلمي على هذه الورقة …
آمل أني قد وفقت بنقل معظم ما مررت به , وان أغفلت شيئا فإنما أغفلته لكي لا أضع نفسي في مواقف اخرى تضطرني الى كتابة فصول اخرى من “مذكرات معتقل”….

 
2 تعليقان

Posted by في سبتمبر 9, 2011 in مذكرات معتقل (1)

 

الأوسمة: , , , , , , , , ,

مذكرات معتقل (3) فندق … 5 دواليب

كانت ظروف العيش في الزنزانة موتا خالصا, فالحرارة العالية وضيق المكان والجو الخانق وعدم معرفة الوقت ظروف الفندق الذي نزلنا فيه, والذي أقول عنه “فندق … خمس دواليب”

كنا غالبا ننام “تسييف” على جنبنا أو ننام جالسين أو حتى لا ننام, حسب الكثافة السكانية التي كانت تتغير ما بين الـ16 و 22 في الزنزانة ذات ال9 امتار مربعة …

الدخول الى دورات المياه كان بمشيئة العنصر مرتين كل 24 ساعة يمثل كارثة اخرى, أضف الى ذلك عدم استقرار امعائنا نظرا للطعام المنقطع النظير المكون من بيض وبطاطا مسلوقين من خمسة أيام, البطاطا لم تنضج منها الا طبقة صغيرة تحت قشرتها مع البرغل المطبوخ الذي نأكله باردا بطعم لا يشبه طعم البرغل لا من قريب ولا من بعيد اضف الى “منيو” الطعام الرز الذي يأتي قطعا قطعا … كأنما حضر ليكون مع وجبة من السوشي !! ملك المائدة كان اللبن المنتهي الصلاحية فقد كان دائما “فارط” وطعمه غريب, أما الخبز فقد كان عصيا على أن يفلق فلقتين ولو وضعته لدابة لعافته … لم تمر وجبة طعام دون أن يذكر أحدنا أنفته وكبر نفسه على طعام أمه وكان بعضنا يتعهد بأن يقبل قدم أمه عند خروجه, بالنسبة لي لم أف بالوعد, فقد عصرتني أمي الى صدرها فور وصولي ولم تسمح حتى بتقبيل يدها, على أية حال لم يكن يرى أحدنا ما يأكله من عتمة الزنزانة والذي كان عاملا مهما في اسكات جوعنا …

بعد انتهاء سلسة التحقيقات عمدوا الى “تفييشنا”, أحسست بأنني مجرم حقيقي وأني غدوت من أصحاب السوابق, في البداية تم تبصيمنا بكل الطرق … بالاصابع العشر كل على حدة وباليد وبالاصابع كاملة ثم بالكف, كنت انتظر من المساعد أن يطلب مني أن أرفع قدمي في وجهه ليملئها بالحبر, لكن يبدو أننا لسنا على هذا القدر من الاجرام لنتعرض لمثل هذا, اثناء تصويري بشكل مباشر وبشكل جانبي حاملا رقمي الاجرامي كنت انظر الى العنصر المصور حاملا الكاميرا اليابانية “أولمبوس” وهي من افضل مصنعي كاميرات الديجتال, كنت أجزم ان هذه الشركة ان نظرت الى الكاميرا فإنها ستتبرأ من كونها صنعت هذه الكاميرا التي لم يبق فيها موضع سنتمتر الا وقد غزاه الشريط اللاصق, تمنيت في نفس لو كان معي “فلاش مموري” لأخذ صورة “التفييش” الجانبية والتي مع الذقن الطويلة والشعر الأشعث ستكون صورة مميزة جدا لحساب الفيسبوك…

لم تصل التحقيقات لنتيجة أكثر مما وصل اليه المحققون في مخفر القنوات, بدأ انتظارنا القاتل للإفرج وكنا كل يوم ننتظر قدوم المساعد ليبصمنا على اخلاء سبيلنا لنحول الى المحاكمة ليصار الى الافراج عنا, كنت في نفسي أحس أن الحرية من الاعتقال بعيدة خصوصا عندما نرى المجرمين بالمخدرات والسرقة والتزوير لا يحتاجون أكثر من يومين ثم يحولون الى المحاكمة.

الشعور بالعجز هو سيد الموقف في المعتقل فأنت محروم من أدنى مقومات الحياة لتكون قادرا على معرفة ما ينتظرك, كنت أقول في نفسي “برا ما طلعلنا معون حتى يطلعلنا معون بسجونن جوا” ..

بعد عدة أيام بدأت أفكر بالضراب, وفي نفس اليوم طافت دورة المياه في السجن فاضطر العنصر الى أخذنا الى احد الزنزانات التي تحوي دورة مياه لنستطيع قضاء حاجتنا, هناك التقينا بالكثير ممكن كانت تهمتهم الحرية أغلبهم من ركن الدين ولهم في المعتقل أقدمية عنا, سألت أحدهم عن امكانية الاضراب فأخبرني أنهم جربوا من قبل دونما فائدة, في اليوم التالي وجدنا أن اعضاء السخرة الذين يوزعون الطعام يعممون على الزنزانات أن لا يأكل أحد, لا أعرف ان كنت صاحب الفكرة.. المهم أننا سنقوم بشيء ربما يؤتي أكله, في البداية نزل ضابط برتبة رائد لم يكن منه إلا أن أخبرنا أن الوضع خارج عن ارادتهم فهم ينتظرون برقية من وزير الداخلية باطلاق سراحنا, لم يستجب له أحد فلم يبلغ كلامه من أذاننا مبلغه فمن غير المنطقي أن أمر المعتقلين الذين يزداد عددهم كل يوم بالمئات أن يكون أمرهم لدى وزير الداخلية, نزل بعد قليل رائد آخر لم يكن لينا بقدر الأول, فقد طلب كتابة اسماء المضربين وهدد بأنه سيكتب فيهم ضبط ايذاء نفس قائلا :”اللي ما بياكل ما بيخرى … أي واحد أضرب لا تسمحولو يفوت عالدورات”,أثناء وجود الضباط كان المساعدون ينقلبون الى هررة مسكينة يقول أحدهم أمام الضابط :”احنا منقصين عليكن شي ؟؟؟”, كان الاحمق على علم تام أنه وفي حال حدوث أي مشكلة فالضباط لن يتورعو عن تحميلهم تبعاتها أمام قياديهم, فالقانون السائد انما هو قانون الغاب, فالقوي يأكل الضعيف ويعتدي عليه, كنت عندما أرى مستويات هؤلاء من صغار العناصر الى كبار الضباط امتعض لكون هذه النماذج المقرفة من الناس هي المتحكمة في شؤون البشر, سجلت اسماء المضربين بعد أن اكل الكثيرون, بالنسبة لنا أخبرنا المساعد أننا قد أكلنا بعد أن سلمناه القصعات كما هي, تبددت أمالنا بأن نستطيع فعل شيء وبتنا نأمل أن نقضي العيد الذي تبقى له عشرون يوما مع أهلنا …

صحيح أنني واصدقائي لم نتعرض لتعذيب مباشر لكن يبذل الجميع قصار جهده ليجعلك بعيدا عن الشعور بانسانيتك التي هي أقل ما قد يملكه الانسان, لقد أحسست بانسانيتي مرة واحدة وكدت أطير من الفرح الذي عجزت عن وصفه للاصدقاء بعد أن غافلت العنصر أثناء أخذنا الى دورات المياه ودخلت الحمام واستحممت بسرعة بالماء :”لك يا شباب حاسس حالي انسان من جديد … يا الهي عالنضافة شو حلوة, وقت اطلع من هالقرف بدي اتغسل سبع مرات إحداهن بالتراب ..”, اثناء قضاء الحاجة أو الدخول الى الدورات كنا نستغل الوقت ونخلع ثياب القسم العلوي من أجسادنا لنغسلها علّ رائحة العرق التي استعمرت هذه الثياب تعافها بالماء ولكن دون جدوى … لقد كنا نحلم بالصابون وشي نضع رؤوسنا عليه عند النوم بعد أن سلم الجميع أمرهم لله وعرفوا أنهم موجودن هناك حتى اشعار آخر, اعتقد ان هذا هو الهدف من السجن, يفقدونك انسانيتك ويجعلونك تسعى ورا حاجات دنيا, نظافتك, وسادة, دخول دورة المياه, بينما دخلت السجن بتهمة السعي وراء مجتمع تسوده الديموقراطية والحرية والعدالة الانسانية والمساواة ولا يجد شبابه صعوية تذكر في دخول سوق العمل بعد أن أنهوا تعليمهم عال المتسوى, لكن وفي نفس الوقت الانسان العاقل يجد الاعتقال فرصة ليعيد ترتيب نظام حياته, ليعيد التفكير في أولوياته, ما فعله وما سيفعله ! يجد فرصة للاختلاء بخالقه يراجع فيها سجله الأخروي مع ربه, فالمؤمن حيثما جلس يسعى الى الخير, كطالب حاسوب, كنت أرى ان الاعتقال انما كان عملية “Refresh” لحياتي, سأكون كاذبا ان قلت أنني إن عدت بالزمن فسأختار عدم الذهاب الى المعتقل بكل ما حصل باستثناء أني كنت مشغول البال دائما على والدتي التي لم تعتد غيابي لأكثر من ثلاثة أيام, هذا إن كنت خارجا للسياحة فيكف بي في المعتقل ؟؟! كنت لن أسامح نفسي ولن أسامح كل من كان وراء اعتقالي إن حصل شيء لأمي المريضة بالربو أي مكروه.. كنت أقول في نفسي دائما :”لحد الآن مالي ندمان على شي وان شاء الله مستفيد من هالتجربة, بس الله يصبر أمي, يا ترى حأندم بعدين ؟؟ منشوف ..”

أنتو شو رأيكون ؟؟؟

 يتبع …

 
3 تعليقات

Posted by في أغسطس 29, 2011 in مذكرات معتقل (1)

 

الأوسمة: , , , , , , , , ,

مذكرات معتقل (2) اجراء شكلي … شغلة ساعتين

 كانت خيبة الامل هي تحويلنا الى فرع الامن الجنائي بدلا من اخلاء سبيلنا, طمئننا العنصر الى أنه اجراء شكلي لن يستغرق أكثر من ساعتين والذي امتد لاربعة عشر يوما, خرجنا الى الباص الذي سيقلنا مقيدين, برد الصباح و”تشتشة” ثيابنا بالعرق جعلت أعضاءنا ترقص بردا, وصلنا لفرع الأمن الجنائي في ساحة باب مصلى لتفك قيودنا باستقبال من احد العناصر الذين لم يجد بعد لغة القاف فقد قال لنا العبارة المشهورة بكسر الكاف “بدكن حرية يا كلاب” بطريقة متكلفة استطيع أنا نفسي ان أقولها بلهجة قافية أفضل منها ..

نزلنا الى الطوابق ما تحت أرضية ليتم تفتيشنا تفتيشا كاملا بكل معنى الكلمة حتى أنهم جعلو الجميع يخلع ثيابه ويبقى باللباس الداخلي الذي يستر عورته, كنت المحظوظ الوحيد الذي لم يطلب منه العنصر إنزل لباسي الداخلي والقيام بالقرفصاء مرتين أو ثلاث, فهمت فيما بعد أنهم يخافون أن يقوم احدهم باخفاء شيء في شرجه وليس “تكسير منافس” وتذليل للناس كما طنت أول الأمر, تم توزيعنا على زنزانات وعندما جلست أزفر بعض الهواء بعيدا عن صدري المثقل بما مررت به وجدت في عتمة الزنزانة جيشا من الصراصير يهرب من تحتي وكأني جلست على احد ساحاتهم العامة, لم تكن تلك بساحة عامة ولا خاصة … وانما كانت تلك هي الكثافة السكانية الطبيعية للصراصير في الزنزانة, انتفضت واقفا فقد كانت سخرية القدر انه لدي “فوبيا” من الصراصير اكمالا لذلك السيناريو الذي أنزله القدر بي دونما سايق انذار, فيما بعد تأقلمت مع زملاء الزنزانة الجدد الذين أيقظني احدهم أثناء تجواله ماشيا على يدي فما كان مني الى أبعدته عن يدي وقتلته بما استطعت الوصول اليه من حذاء وعدت فورا الى كوابيسي الليلية وكأن شيئا لم يكن ..

تبدأ سلسة التحقيقات وتدقيق الضبط الذي كتب في المخفر, لم تكن تلك التحقيقات تؤتي أكلها أكثر من حرب نفسية لتشعرك أنك انما قد قمت بجرم يندى له الجبين .. في البداية تم “نسخ” ضبط المخفر كما هو مصحوبا ببعض الاسئلة من المساعد الذي كان يقرأ ما يكتبه بصوت عال, لم تكن تلك الاسئلة الا لاضفاء “الجو” على التحقيق وتحقيقا لثقة الذات لدى ذلك المساعد الذي لا اعتقد أنه سمع أجمل من كلمة “يا حيوان” يوما, تحقيق النقيب كان هو التحقيق الاساسي في فرع الأمن الجنائي, حيث كانت اسئلته تصنف فعلا تحت باب “تحقيق” وليس شكلا أو روتينا, أذكر أني في احدى أمسيات الجمعة (وهو يومهم المشؤوم) كنت ادق على باب النظارة كالمسعور بعنف دونما اجابة من احد المساعدين, لقد كان السخط يملأ كياني لاحتفاظهم بنا دونما تهمة واضحة …

كنت أتوقع ظهور أحد العناصر أو المساعدين في أفضل الأحوال, لكن ظهور النقيب المحقق القاسي في وجهي بلباسه الميداني فاجأتي فخففت من حدة صراخي ..

كان يلبس بذلة عسكرية مع حذاء رياضي (اذا كنت سوريا ستعرف ماذا كان يفعل!!) والعرق قد أخذ بنصيب وافر من بدلته وآثار الغبار تملأ بذلته, عندما سمع النقيب ما أردت ايصاله له أنفلت كأنما انفجرت في رأسه قنبلة “لك يا خراوات أنتو امتى بدكون توقفو طلعة ؟؟! لك مو بسببكون هيك صار فينا”, عاد أدراجه وهو يتمتم ويشتمنا لأننا اقضضنا مضجعه الشريف وطالبنا بالحرية ….

– وين ساكن ؟

– سيدي أنا ساكن بالقابون وبالتجارة .. بيت أهلي بالقابون وبقضي غالب وقتي مع جدي بالتجارة شي 3-4 أيام بالاسبوع لأنو جدي ما صرلو فترة عامل عملية قلب …

لم أكن أعرف أن عالمهم يتلخص في المناطق التي يخرجون لقمع المتظاهرين فيها … لقد اخترعت رواية سكني في التجارة خوفا من أي سؤال قد يخطر بباله ويطرحه عليي عن الأحداث في القابون باعتبارها أحد أكثر المناطق الساخنة وصاحبة أكبر مظاهرات في العاصمة دمشق ..

– شو بتشتغل ؟

– طالب جامعي سيدي !!

– أي جامعة ؟

– الجامعة الدولية.. جامعة خاصة !! أنا آخد منحة مجانية على علاماتي من الدولة ..

– شو بتدرس ؟؟

– معلوماتية … اختصاص علوم حاسوب ..

ولا يسئلني أحدكم اذا أثار اختصاصي أي اسئلة اخرى حول الفيس بوك او تويتر او يوتيوب … فهم أكثر حمقا من أن يكتشفو أن للحاسوب اي علاقة بتلك الأشياء التي كثيرا ما سمعنا أنهم  فتشو الثياب بحثا عنها ….

– شو كنت رايح تعمل ؟

– سيدي كنت رايح اشتري تياب من سوق المواسم بالفحامة .. الدنيا هلأ أول رمضان منلاقي هنيك تصفيات محلات بأسعار حلوة قبل ما ينزلو تشكيلات العيد ..

– من وين اجيت أنت ؟

– سيدي أنا اجيت من شمال شارع خالد بن الوليد من عند البريد وفتت بالحارة اللي جنب قيادة شرطة دمشق وما مشيت تلاتين متر الا شفت عناصركون راكدين باتجاهي .. انا مو عامل شي ضليت ماشي عادي …

– شفت شي مظاهرة أو أي تجمع تاني ؟

– التجمع الوحيد اللي شفتو هو شي 15 واحد من عناصركون راكدين باتجاهي

قاطعني قائلا : “لك انت نص عنصر بيمسكك … قال 15 عنصر قال”

– اى ؟؟؟!!! وكنت لحالك رايح تشتري تياب ؟ يعني الواحد بياخد رفيقو, رفيقتو, او حبيبتو .. يعني ذوقين احسن من ذوف ..

كنت مستعدا لأي سؤال يسئلني اياه فلقد شذبت وحبكت روايتي من جميع أركانها, أجبته بكل ثقة :

– سيدي متل ما قلتلكون أنا آخد منحة مجانية من الدولة على جامعة خاصة وانتو أعرف بطلاب الجامعات الخاصة, يعني الواحد من رفقاتي بيشتري البنطلون ب4000 ليرة, أما أنا يا سيدي متل ما قلتلكون آخد منحة مجانية من الدولة رايح لاحق الرخصة منشان وفر على حالي مو معقول اخد حدا منون معي, وصديقتي من عائلة محافظة ما رح يسمحولها أهلها تطلع بهالوقت …

جوابي مع أنه كان كذبا بكذب كان غير اعتيادي مما أضفى عليه طابع الصدق لدى المحقق الذي لم يكلف عقله القاصر ويدقق في ثيابي ليتأكد انني لست هذا الشخص الذي يلاحق الرخص او يتحرى التنزيلات, كان توفيق من الله يمنعه من أي يدقق في أي شيء قد يقودني الى مهكلة, كنت وخلال التحقيق أكلم نفس قائلا :”يحرء حريشك شو كذاب شلون هيك حابكها ؟؟!!!”

– يعني أنت ما كنت بالجامع ؟

– لاء سيدي .. أبدا ..

– ما بتصلي التراويح ؟

– لاء سيدي !!

– يعني مالك بالصلاة ؟؟ ما بتحبها ؟

كنت قد حزمت أمري أن أنفي عن نفسي أي صلة بالمسجد أو بصلاة التراويح أو بأي شيء ديني أي آخر … فهذا سيجعلني محط شبهة أكثر ..

– سيدي بصراحة انا متل قلتلكون أني بقعد عند جدي بالتجارة لأنو ما صرلو زمان عامل عملية بالقلب بس الصراحة اني بتخانق كتير مع أبي منشان الصلاة وبهج لعند جدي .. يعني بصلي عالحشيشة كل شهر شهرين مرة وقت كون بدي راضي أبي وبدي منو شي ..

– اممممم !!! التراويح مفرد ولا مجوز ؟؟

– سيدي مجوز …

– لاء مفرد ..

-كنت في هذا السؤال أجيبه وكأن الأستاذ في الصف قد استدعاني للتسميع فكنت أدور عيوني في السقف بحثا عن الاجابة التي انطقها وكأني غير متأكد ..

– سيدي والله ما بتذكر منيح .. يمكن أخدينها بالديانة بالصف السابع شو بدو يذكرني ؟؟ بس بتذكر انو مجوز …

كان نفي التدين عندي بردا وسلاما أنزله جوابي على المحقق النقيب الذي أشاح عندما خرجت للضابط بأنه قد صدقني ..

كان هذا الشاب الذي يتصادم مع والده من أجل الصلاة يقيم مع ثلة من الشباب صلوات الجماعة كاملة مع صلاة التروايح ويقرأون بشكل جماعي سورة يس والواقعة والملك كل يوم ..

حمدا لله لقد أضفينا على جو الزنزانة المقيت بعض الأجواء الرمضانية فكنا نملأ أوقاتنا بالقرآن وما نحفظه من سير الصحابة واحيانا كنا نملأها بالنكات والمزاح آملين أن لا ندع لأحد وقتا مع نفسه .. ففي المعتقل, التفكير هو من أكثر الاشياء تعذيبا للنفس, فلا مهرب من التشاؤم والخواف القادم من المجهول …

في تحقيق آخر :

– أنت حزبي ؟

– طبعا سيدي !!

– عضو عامل ؟

– سيدي بالبداية كنت عامل بس تعارضت الاجتماعات واللقاءات مع دراستي فانجبرت أني صير مجرد عضو نصير ..

– شو شعار الحزب ؟

– وحدة حر .. حرية اشتراكية ..

 لا اراديا تلكأت عند كلمة حرية, ليس خوف او شيء آخر لكن لا أعرف لماذا تلعثمت عندما قلتها .. سارع في الهجوم : “شبكن بتنلقطو لما تقولو حرية .. يا ابنى مين ما بدو حرية ؟ مين ما عندو مطالب ؟ مين مالو ضد الفساد” .. كان هذا المساعد ذكيا لدرجة أنه ظن أني سأرتاح لما يقوله وأبدأ بعرض مظالبي المشروعة .. قاطعته مجيبا اجابة من اعرف من المتخاذلين والبهائم الذين لا يعرفون من الدنيا الا الطعام والشراب “يأكلون ويتمتعون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم” :

– سيدي أنا عايش مرتاح عم آكل واشرب والأول على جامعتي وآخد منحة مجانية من الدولة على جامعتي شو لازمني اكتر من هيك … في نفسي تذكرت صوت القاشوش يقول “سوريا بدا حرية ..”

يتبع …

 
2 تعليقان

Posted by في أغسطس 25, 2011 in مذكرات معتقل (1)

 

الأوسمة: , , , , , , , , ,

مذكرات معتقل(1) … الغرق في العرق

على بعد 250 مترا شمالي جامع زيد بن ثابت وعلى مقربة من مقر قيادة شرطة دمشق التفت للوراء لأرى مجموعة ممن نسميهم “الشبيحة” راكضين وراءنا, خوفا من أن نكون محاصرين او مراقبين … أخبرت صديقي ألا تركض لكي لا نثبت التهمة علينا ولنأخذهم بالسياسة والحنكة .. بكل أدب وهدوء بعد ان حاصرونا وشهروا أسلحتهم في وجوهنا قال أحدهم بلهجة شامية “هويتك من بعد اذنك لضرورات أمنية” وبمجرد أن صار الهوية في يده قلب لسانه الى القاف وأدبه الى وحشية وبقمة العنف التوت يدي الى خلف ظهري ممتدة الى اعلى واوشكت ان تخلع من مكانها, بدأ الشبيح حربه النفسية عليي بقوله باللهجه المعروفة ” لك يخرب بيتك ولك قرد كم مرة صرت ماسكك”, مسبقا كنت أظن أنني في هكذا موقف سأكون في قمة الرعب والخوف ولكنني خاب ظني, فبكل جرأة وقوة قلت له “بعمري ما شفتك ولا بدي شوفك” واقتادني هو وعصابته الى أمام جامع زيد وكأنه قد أتى كما نقول في الشام “براس غليص” … بدأ حظي الجميل والتوفيق من الله بأني قد اقتدت الى سيارة شرطة تابعة لمخفر القنوات انا وثلاقة من الشبان واحدهم صديقي على عكس الكثيرين الذين رمي بهم في باص تابع لشعبة الامن العسكري المعروفة بدمويتها وقسوتها … وصلنا الى مخفر القنوات حيث جردونا من كل شيء الا ثيابنا, حتى رباطات أحذيتنا قد صودرت, خوفا من حكومتنا الرشيدة علينا من أنفسنا … قبل ان اسلم موبايلي الـ HTC كنت قد وضعته Offline خوفا من ان يتصل أحد الشباب الذين حالفهم الحظ وكانو ينتطروننا للاطمئنان علي “فنكون بواحد نصير بتنين” او أجد فاتورتي بالملايين عندما أخرج –ان بقيت على قيد الحياة- دخلنا نظارة بمساحة لا تزيد على سبعة امتار مربعة لأجد نفس مع 26 شخصا في هذا “القن” الذي لايحوي الا “طاقة” صغيرة على باب النظارة و”شفاط هواء” أحيل للتقاعد منذ امد بعيد … خلال أقل من ثلاق دقائق ضاق الهواء بأحد الشباب المرضى بالربو .. وبعد صراخ وترجيات أخذه عناصر شرطة المخفر الى مكان لانعرفه وبدأ هنا سيناريو “الغرق في العرق” بدأنا بالتعرق الشديد وبمعجزة إلهية لا أعرف كيف استطاعت “الطاقة” على الباب إدخال الهواء الذي استطاع ابقاء الجميع احياء تلك اللية .. خلال نصف ساعة اصبحت ملابسنا مليئة بالعرق وكأنك قد نقعتها في برميل للعرق, أرض النظارة الجافة بدأت تمتلئ بعرق الستة وعشرين “بني ادم” الذين بدأ أغلبهم بالشكوى والتذمر طالبا دوائه أو طالبا بعض الماء البارد أو طالبا حتى نسمة من هواء منعش .. كنت جالسا “على نصي” أجهز ما سأقوله في التحقيق وأحبكه من كل جوانبه حتى أبدو واثقا مما أقوله لكي أبعد كل تهمة أو شبهة قد تلحق بي, فأنا –والحمد لله- ألقي القبض عليي بعيدا جدا عن المظاهرة التي انتهت قبل القبض عليي بأكثر من خمس عشرة دقيقة, بدأت أعيد القصة المزعومة مرارا وتكرارا في مسرح خيالي حتى اني صدقتها وبدأت أرويها لزملاء النظارة مبرأ نفسي من كل جرم قد اتهم به, بدأوا باستدعائنا للتحقيق واحدا تلو الأخر وقد مضى على وجودنا في “بحر العرق” أكثر من أربع ساعات, انتهى التحقيق بضبط ذكر فيه ” أنكر أنه تظاهر أو شارك في أي مظاهرة مسبقة ولم يكن لديه نية في التظاهر” وثبتت التهمة على أنها اشتباه بالتظاهر, كان لقائنا مع كل من نرى من عناصر الأمن والشرطة مصحوبا بالحرب النفسية بعبارات مثل “يخرب بيتك صرلنا فترة عم ندور عليك”, “يلعنك لك قرد كذاب, صرلنا ساعتين مراقبينك”, “ولك حيوان كم خبر صرلنا باعتينلك ما تطلع من بيتك”, وقد كان ضبط جميع من اعتقلو معنا في اليوم ذاته مشابها لضبطي فكنا ننتظر الافراج وأتت الأخبار بأننا وفي الصباح الباكر سيتم اخلاء سبيلنا وهنا انستنا الامال كل ظروف بحر العرق وأخذ كل منا يفكر فيما سيفعله بمجرد خروجه, بالنسبة لي قلت “بدي ارقع سطل تمر هندي نصو تلج” فكان خيبة الأمل بأن ذكرني الشباب أننا في صيام, لم أكن الوحيد صاحب خيبة الأمل ففي الصباح الباكر غادرنا بحر العرق الذي امتلأت أرضيته بأكثر من ثلاثة سنتيمترات من عرقنا ليصار الى تقييدنا مثنى وفردى وتسليمنا جميع مصادراتنا الا أجهزة الجوال ….

يتبع …

 
5 تعليقات

Posted by في أغسطس 24, 2011 in مذكرات معتقل (1)

 

الأوسمة: , , , , , , , , ,

المارد والجلاد والساحر

أسطورة علاء الدين تتحدث عن المارد والقمقم الذي يسجن فيه, وعن المصباح الذي فيه سر إخراج المارد من القمقم ليحقق لعلاء الدين مطالبه الشخصية السخيفة ثم اعادته اليه من جديد.

وفي الاسطورة ان المارد حين يخرج من القمقم أحيانا يشعر بنسمات الحياة المنعشة ويرغب في البقاء خارج القمقم فيقوم الجلاد بعصاه الغليظة وسيفه الحاد يعاونه ساحر خبيث بتعويذاته ونفثاته وبخوره ويعملان معا فيعود المارد الى سجنه في القمقم اللعين.

انها اسطورة تمثل حالة كل كل شعب مقهور تمثل واقع الشعب في سوريا منذ بدأ حكم العسكر وأجهزة القمع, وبدأ التضليل والتزييف والشعارات الكاذبة التي ترفع باسم الشعب المقهور.

انكسر القمقم , بعد أن كسره أنامل أطفال درعا التي خطت على الجدران العبارة الخالدة التي تجسد أمل الأمة (جاءك الدور يا دكتور) فما كان من جلاد النظام (عاطف نجيب) إلا ان قلع أظافر تلك الأنامل وما عرف أنه أشعل الشرارة التي ستقلع نظام الظلم والجبروت الذي يرعاه أسياده.

انطلق المارد يتحدى عصى الجلاد وسيفه لا ترهبه دباباته ومقابره الجماعية وطائراته و…. ولا نخدعه تمتمات الساحر ونفثات الدجالين من رجال الاعلام الكاذب ومفتي السلطان والمتاجرين باسم الدين الذين يسبحون باسم فرعون ولسان حالهم يقول ما قاله سحرة فرعون “وقالو بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون“.

لم يفتح القمقم بل انكسر وحطم ولن يعود المارد اليه.

 
2 تعليقان

Posted by في يوليو 14, 2011 in Revolution

 

الحثالة

الحثالة اسم أطلقه رجل الدين المعروف سعيد رمضان البوطي على ثوار سورية المنادين بالحرية والخلاص من حكم الطواغيت.

وهل كان أتباع الرسل من عهد نوح إلا حثالة في عرف المستكبرين وعرف الملأ والكهان أتباع المستكبرين, هذا ما يقوله هؤلاء لنوح “وما نراك اتبعك الا الذين هم أراذلنا“.

وهل كان أكثر أتباع محمد صلى الله عليه وسلم الا المستضعفين ((الحثالة على حسب البوطي)) أمثال ياسر وعمار وسمية وصهيب وبلال و ….

فهنيئا لكم يا أخوة ياسر وعمار وسمية وبلال وصهيب, هنيئا لكم يا إخوة الحوارين أتباع المسيح الذين كانوا حثالة المجتمع في عرف المستكبرين من الملأ والكهان والأحبار.

هنيئا لكم يا من صرختم في المستكبرين ارفعوا أرجلكم عن أعناقنا إننا نريد أن نرفع رؤوسنا لنرى نور الشمس نور الحرية نريد أن نكون بشرا أحرارا, ولم تنتظروا فتوى الكاهن في جواز الثورة على الظلم والطغيان.

هنيئا لكم أيها السائرون على درب الحسين وهو يقول “هيهات المذلة“.

انطلقوا أيها الحثالة في ثورتكم ولا تلتفتوا الى تهديد فرعون وفتاوى أتباعة انطلقوا وستنتصر ثورتكم فتلك سنة الحياة “إن الباطل كان زهوقا” وحينئذ سيلحق بكم المؤلفة قلوبهم الذين ينتظرون الغنائم وسيلحق بكم أصحاب العمائم المكورة واللحى الصفراء ليمدحوا ثورتكم ويصبوا اللعنات على فرعون.

 
أضف تعليق

Posted by في يونيو 9, 2011 in Revolution